الهندسة الاقتصادية Economic Engineering أصبحت اليوم الإطار العملي لإعادة ضبط العلاقة بين الدولة والسوق، وبين الصناعة والمستهلك، وتأتي السياسة الضريبية في قلب هذه الهندسة باعتبارها الأداة الأكثر حساسية وتأثيرًا في التسعير والمنافسة وتوزيع الأعباء داخل الاقتصاد، فالضريبة لم تعد مجرد وسيلة تمويل، بل متغيرًا حاسمًا في قرارات الإنتاج والشراء والاستثمار، وفي قدرة السوق على تحقيق توازن مستدام بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.
ينطلق الذكاء الضريبي Tax Intelligence من إدراك أن أي ضريبة تُفرض دون قراءة دقيقة لهيكل السوق تتحول تلقائيًا إلى تكلفة تُضعف المنتج المحلي أو تُحمَّل على المستهلك النهائي، فالمنتج المحلي يعمل داخل منظومة التزامات واضحة تشمل الضرائب والرسوم وتكاليف الامتثال والجودة، بينما قد يدخل منتج مماثل من الخارج عبر مسارات تنظيمية أو إعفاءات مختلفة تخلق فجوة سعرية غير ناتجة عن كفاءة أو جودة، بل عن اختلاف المعاملة الضريبية، في هذه الحالة، لا تكون المنافسة قائمة على القيمة أو الابتكار، بل على اختلال القواعد، وهو ما يؤدي إلى تشويه قرارات التسعير والاستهلاك معًا.
وفي هذا السياق، يبرز الذكاء الضريبي خيارًا أكثر كفاءة من فرض ضرائب إضافية على المنتج المستورد، يتمثل في تقديم إعفاءات أو تخفيضات مدروسة على مدخلات الصناعة المحلية لخفض تكلفة الإنتاج من المنبع وخلق ميزة سعرية تنافسية مستدامة، غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب تقييمًا دقيقًا لطبيعة المنتج المستورد نفسه: هل هو بديل مباشر لمنتج محلي قائم، أم منتج لا يُصنَّع محليًا أصلًا؟ ففي الحالة الأولى، يكون دعم مدخلات الإنتاج المحلي أكثر عدالة وفاعلية من معاقبة الواردات، أما في الحالة الثانية فقد يؤدي فرض ضرائب إضافية إلى تحميل المستهلك تكلفة دون مردود صناعي حقيقي. هكذا تتحول السياسة الضريبية من أداة ردع قصيرة الأجل إلى أداة تصميم ذكي للسوق.
وتبرز هنا حساسية تحديد النسبة الضريبية كعنصر محوري في نجاح أي سياسة ضريبية ذكية. فالنسبة ليست رقمًا محاسبيًا جامدًا، بل قرار اقتصادي دقيق ينعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج والسعر النهائي، أي زيادة غير محسوبة قد ترفع تكلفة المنتج المحلي إلى مستوى يفقده القدرة على المنافسة، وأي تخفيض مفرط قد يخلق تشوهات ويقوض الإيرادات العامة دون معالجة الخلل الحقيقي، الذكاء الضريبي يتعامل مع هذه الحساسية عبر معايرة دقيقة للنسب، بحيث تُغلق فجوة عدم العدالة دون خلق فجوة سعرية جديدة، مع مراعاة مرونة الطلب ومستوى الجودة عندما تكون البدائل المحلية والأجنبية متقاربة.
وفي هذا الإطار، لا يمكن فصل السياسة الضريبية عن التسويق الداخلي والدولي، فالضريبة تؤثر مباشرة في استراتيجية التسعير، وهي أحد أعمدة المزيج التسويقي، عندما تكون المعاملة الضريبية متوازنة ومستقرة، يصبح المنتج المحلي قادرًا على التسويق لنفسه داخل السوق باعتباره خيارًا تنافسيًا من حيث السعر والقيمة، لا منتجًا محميًا قسرًا أو مدعومًا بشكل غير مستدام. وعلى المستوى الدولي، تساعد الأنظمة الضريبية الذكية التي تمنع التراكم الضريبي غير القابل للاسترداد على تعزيز تنافسية الصادرات، وتحسين قدرة العلامات التجارية الوطنية على اختراق الأسواق الخارجية وبناء ثقة طويلة الأجل.
كما أن إعادة ضبط الإعفاءات أو الرسوم على المنتجات القادمة من الخارج، عندما تُنفَّذ بعقلية ذكية ومتدرجة، تسهم في تشجيع الشراء من الداخل دون الإضرار بالمستهلك. فالإعفاء غير الموجّه قد يبدو دعمًا مؤقتًا للأسعار، لكنه في الواقع يضعف الاستثمار المحلي ويقوّض المنافسة العادلة. أما المعالجة الذكية، فتركز على تحقيق التكافؤ، بحيث يعكس السعر النهائي التكلفة الحقيقية للإنتاج لا الفجوات التنظيمية. وعندما تتساوى الجودة، ويصبح فرق السعر ناتجًا عن كفاءة حقيقية، يتحول قرار المستهلك إلى الداخل طواعية، لأنه قرار قيمة وثقة لا قرار إلزام.
وتؤكد تجارب عدد من الدول الناشئة أن الذكاء الضريبي يمكنه معالجة اختلالات التسعير دون الإضرار بالسوق أو تحميل المستهلك أعباء إضافية. ففي الهند، أسهم توحيد ضريبة السلع والخدمات في تقليص التراكم الضريبي عبر مراحل الإنتاج، ما حدّ من التشوهات السعرية ودعم تنافسية الصناعة. وفي البرازيل، ساعد تبسيط المنظومة الضريبية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة على خفض تكاليف الامتثال، الأمر الذي انعكس على مرونة التسعير وقدرة المنتج المحلي على المنافسة. أما في كينيا، فقد أدى استخدام الأنظمة الرقمية في إدارة الفواتير الضريبية إلى دمج قطاعات واسعة من الاقتصاد غير الرسمي، وتصحيح فجوات التسعير الناتجة عن التهرب، بما أعاد قدرًا من العدالة والثقة إلى السوق.
وفي المحصلة، يثبت الذكاء الضريبي في تجارب الدول الناشئة أنه أحد أهم أدوات الهندسة الاقتصادية الحديثة، لأنه يربط بين الضريبة والتسعير والتسويق في منظومة واحدة متكاملة. وعندما تُصمَّم هذه المنظومة بعناية، تتحول الضريبة من عبء يرفع الأسعار ويضعف الصناعة إلى رافعة استراتيجية تحمي المنتج المحلي، وتعزز تنافسيته داخليًا ودوليًا، وتدعم المستهلك بسوق أكثر عدالة واستقرارًا، بما يخدم الاقتصاد ككل على المدى المتوسط والطويل.