حاوره رئيس التحرير
في وقت تتغير فيه مفاهيم الإدارة داخل الشركات، لم يعد المدير الناجح هو بالضرورة ذلك الشخص الذي يضع مسافة كبيرة بينه وبين فريقه، أو يكتفي بإصدار التعليمات ومتابعة النتائج. أحمد الجهوري، رئيس شركة «باي» المتخصصة في إنشاء وتطوير وتأسيس المشاريع التجارية في الكويت ومنطقة الخليج، يقدم نموذجًا مختلفًا في التعامل مع الموظفين، يقوم على القرب الإنساني، والصداقة، والمرح، مع الحفاظ في الوقت نفسه على وضوح المسؤوليات والالتزام بالنتائج.
ويظهر الجهوري في عدد من فيديوهاته مع موظفيه بصورة عفوية، يتبادل معهم المزاح والضحك ويشاركهم لحظات من الحياة اليومية داخل الشركة، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات حول فلسفته في الإدارة، وكيف يوازن بين كونه صاحب القرار وبين قربه من فريق العمل.
في هذا الحوار، يتحدث الجهوري عن فلسفته في اختيار الموظفين، وكيف يرى العلاقة بين المدير وفريقه، ودور البيئة الإنسانية في رفع الحماس والإنتاجية، ولماذا يعتبر أن الاختبار الحقيقي لنجاح المدير هو ما يحدث داخل الشركة في غيابه.

تظهر في فيديوهاتك مع موظفيك بشكل قريب جدًا منهم، وهناك مساحة كبيرة للهزار والصداقة. ما فلسفتك في العلاقة بين المدير وفريق العمل؟ وهل ترى أن المدير يجب أن يحافظ على مسافة معينة؟
أنا لا أؤمن بفكرة أن المدير يجب أن يكون بعيدًا حتى يحترمه الموظف. الاحترام بالنسبة لي يأتي من طريقة تعاملك مع الفريق ومن قراراتك، وليس من المسافة التي تضعها بينك وبينهم.
أستطيع أن أضحك وأتبادل المزاح مع الموظف، وفي الوقت نفسه عندما ندخل اجتماعًا أو يكون لدينا موعد تسليم، يعرف كل شخص أن الموضوع أصبح عملًا وجدية بالكامل.
كيف استطعت تحقيق التوازن بين كونك صاحب الشركة والمسؤول عن القرارات، وفي الوقت نفسه قريبًا من الموظفين وكأنك واحد منهم؟
أنا أتعب جدًا في اختيار الموظفين، ولا أتبع بالضرورة المعايير التي تتبعها باقي الشركات. الوعي، والعقلية السليمة، والشغف بالنسبة لي أهم من أولويات كثيرة قد تضعها إدارات أخرى.
هذا الأمر يسهل كثيرًا طريقة التعامل بيني وبين الموظفين، لأن كل شخص يعرف متى نكون أصدقاء ومتى نكون فريق عمل.
هل العلاقة الإنسانية والصداقة مع الموظفين تساعد فعلًا في زيادة الإنتاجية وسرعة إنجاز العمل، أم يمكن أن تؤثر أحيانًا على هيبة المدير؟
أنا أصلًا لا أقيس نجاح العلاقة بهيبة المدير. أقيسه بسؤال أهم: عندما لا أكون موجودًا، هل يسير العمل بنفس المستوى أم لا؟
إذا كان الموظف لا يعمل إلا عندما أكون واقفًا فوق رأسه، فهذه ليست هيبة. أنا أريد الفريق أن يعرف مسؤوليته حتى في غيابي.
وبالعكس، عندما أغيب فترة أو أبتعد، أريدهم أن يأتوا إليّ ويعيدوا لي الشغف، وأن يكون لهم دافع وتأثير في حياتي، قبل أن أكون أنا فقط مصدر الدافع لهم.

عندما يشعر الموظف بأن مديره يسمعه ويقدر مجهوده ويتعامل معه بشكل إنساني، كيف ينعكس ذلك على حماسه وانتمائه للشركة؟
أهم شيء بالنسبة لي أن يشعر الموظف بأن رأيه يمكن أن يغير شيئًا فعلًا.
إذا كنت في كل مرة أقول له: «أعطني رأيك»، وفي النهاية أفعل ما أريده أنا، فبعد فترة لن يعطيني رأيه أصلًا.
وأحيانًا أفضل فكرة في الشركة يمكن أن تأتي من شخص ليس مسؤولًا أصلًا عن هذا الجزء من العمل.
تتحدث كثيرًا عن سرعة تنفيذ الأفكار وإنجاز العمل. هل أسلوبك القريب من الموظفين ساعد في خلق بيئة عمل فيها سرعة وحماس بدلًا من الروتين والبيروقراطية؟
بالتأكيد. عندنا يمكن أن تُطرح الفكرة اليوم ونبدأ تجربتها في اليوم نفسه.
ليس لديّ فكرة أن كل اقتراح يجب أن يصعد وينزل في سلم إداري طويل. إذا كانت الفكرة لا تحتاج إلى مخاطرة كبيرة، نجربها. إذا نجحت نكمل، وإذا لم تنجح نوقفها.
بالنسبة لي، سرعة التجربة أفضل من أن تظل الفكرة شهرًا على الورق وتحتاج إلى موافقات واعتمادات متعددة.
فيديوهاتك مع الموظفين لاقت اهتمامًا، خصوصًا أنك تظهر فيها بشكل عفوي جدًا وتهزر معهم وتشاركهم لحظات مختلفة. ما الرسالة التي تريد إيصالها من خلال هذا المحتوى؟
أنا لا أحاول أن أظهر بصورة «شوفوا كم أنا مدير كول».
بالعكس، هذه الفيديوهات ظهرت لأن هذا أصلًا جزء من يومنا. وأعتقد أن الناس أحبتها لأنها رأت أشخاصًا حقيقيين داخل الشركة.
هل تصويرك مع الموظفين والهزار معهم مجرد محتوى للسوشيال ميديا، أم أنه انعكاس حقيقي لطريقة تعاملك اليومية داخل الشركة؟
لا، وما لا يظهر أمام الكاميرا أكثر بكثير.
بالتأكيد هناك فرق، فنحن لا نصور كل شيء يحدث داخل المكتب.

إلى أي مدى ترى أن الضحك والهزار داخل بيئة العمل يمكن أن يكون أداة لرفع الروح المعنوية وتحسين الأداء، وليس مجرد ترفيه؟
الضحك في حد ذاته لا يزيد الإنتاجية. الذي يفرق هو ألا يأتي الموظف كل يوم إلى مكان يشعر بأنه ثقيل عليه.
أنا أريد بيئة فيها مساحة للعمل والضغط عندما نحتاج إلى ذلك، وفي الوقت نفسه يستطيع الموظف أن يفصل خمس دقائق، ثم يعود ويكمل عمله.
الموظف المحترق نفسيًا لن يعطيني عملًا أفضل لمجرد أنني منعته من الضحك.
هل هناك موقف مع أحد الموظفين شعرت بعده أن هذه العلاقة الإنسانية انعكست بشكل مباشر على أدائه أو ولائه للشركة؟
كل موقف يقربنا من بعض أكثر ويخفف علينا ضغط العمل.
وليس فقط أنا من أؤثر في حياتهم؛ هم أيضًا لهم فضل وتأثير كبير عليّ.
أحيانًا تظهر مع الموظفين وكأنك واحد من الفريق، وليس فقط رئيس الشركة. هل هذا قرار مقصود منك لتغيير الصورة التقليدية للمدير؟
نحن نتعامل مع بعضنا كفريق، وكل شخص يكمل الآخر.
إذا أخطأ أو ضاع أحدنا، الصورة لن تكتمل.
من وجهة نظرك، هل الشركات الناجحة اليوم تحتاج إلى مدير تقليدي يعطي التعليمات، أم قائد ينزل وسط فريقه ويشاركهم التحديات؟
المهم أن تكون الإدارة والموظف مرتاحين مع بعضهما، بغض النظر عن الآلية.
وبالتأكيد ليس كل البشر يمكن أن يتعاملوا مع بيئة تشبه العائلة. هناك موظفون لا يستطيعون تقبل هذا النوع من الأجواء، ولذلك يجب أن تفهم طبيعة كل شخص وما يناسبه.
ما الأصعب بالنسبة لك: إدارة الأرقام والمشروعات، أم إدارة البشر ومعرفة شخصية كل موظف وما الذي يحفزه؟
البشر أصعب بكثير.
نفس الأسلوب لا يعمل مع شخصين. هناك موظف إذا أعطيته مساحة يبدع، وموظف آخر إذا أعطيته المساحة نفسها قد يضيع.
هناك شخص يحتاج إلى ملاحظات مستمرة، وشخص آخر يمكن أن تؤدي معه الطريقة نفسها إلى إحباطه مع الوقت.
لذلك يجب أن تعرف كيف يعمل كل شخص بشكل أفضل، وليس كيف تجعله يشبهك.
هل قربك من الموظفين يجعلك تسمع المشكلات الحقيقية داخل الشركة بشكل أسرع من الطرق الإدارية التقليدية؟
نعم، والأهم أنه يجعلني أسمع الأخبار السيئة بشكل أسرع.
أي موظف يستطيع أن يأتي إلى المدير ويقول: «خلصنا المشروع وكل شيء ممتاز». أنا أريد الموظف أن يستطيع أن يأتي ويقول لي: «تورطنا، وصارت عندنا مشكلة»، من دون أن يقضي يومين في إخفائها خوفًا مني.
كلما عرفت المشكلة مبكرًا، كانت أرخص وأسهل في الحل.
هل لديك قاعدة معينة في التعامل مع الموظفين؟ متى تكون المدير الصارم، ومتى تكون الصديق أو الأخ؟
أنا لا أحدد ذلك حسب مزاجي، وإنما حسب الموضوع.
إذا كانت غلطة أول مرة، نتعلم منها. إذا تكررت الغلطة للمرة الثالثة، أصبحت لدي مشكلة.
أما إذا كان الموضوع يمس عميلًا أو أموالًا أو سمعة الشركة أو حق موظف آخر، فهنا لا توجد مجاملة.
بخلاف ذلك، لا أرى داعيًا لتحويل كل موقف صغير إلى قضية إدارية.
هل تعتقد أن الموظف يمكن أن يقدم 100% من طاقته لمجرد أنه يتقاضى راتبًا جيدًا، أم أن الشعور بالتقدير والانتماء هو العامل الأهم؟
الراتب العادل أساس، وبعد أن يكون حق الموظف المادي موجودًا، هناك أشياء أخرى تجعله يستمر.
هل هو يتعلم؟ هل لديه مجال للنمو؟ هل رأيه مسموع؟ وهل يعرف إلى أين يمكن أن يصل داخل الشركة؟
كل هذه الأمور مهمة في بناء علاقة طويلة المدى بين الموظف والشركة.
لو أردنا اختصار فلسفتك في الإدارة في جملة واحدة، كيف تلخصها؟ كيف تجعل الموظف يحب المكان الذي يعمل فيه، وفي الوقت نفسه يكون لديه التزام ومسؤولية ويحقق أهداف الشركة؟
أريد الشركة أن تسير بشكل صحيح وأنا موجود، وأن تسير بشكل صحيح وأنا غير موجود.
انسخ الرابط المختصر وشاركه للوصول المباشر للمقال