في وقت تتسع فيه الاحتياجات التنموية وتتزايد الضغوط على الموارد المتاحة، جمعت مؤسسة ساويرس ومعمل عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالجامعة الأمريكية بالقاهرة (J-PAL MENA at AUC) نخبة من قيادات القطاع الخاص والمصرفي والمؤسسات التنموية والمانحة، إلى جانب باحثين وخبراء في مجال التنمية، لطرح سؤال أصبح أكثر إلحاحًا: كيف يمكن التأكد من أن الاستثمارات المجتمعية تذهب إلى التدخلات الأكثر قدرة على إحداث تغيير حقيقي؟
جاء ذلك خلال ملتقى “الأثر القائم على الأدلة Evidence-Driven Impact- “، الذي تناول كيفية إدماج المعرفة البحثية وقياس النتائج في القرارات المتعلقة بالاستثمار المجتمعي، بما يساعد الشركات والبنوك والمؤسسات المانحة على توجيه مواردها بصورة أكثر فاعلية.
وركزت المناقشات على الانتقال من تقييم المبادرات بحجم الإنفاق أو أعداد المستفيدين إلى النظر في التغيير الفعلي الذي تحققه، ومدى استدامته وكفاءة استخدام الموارد فيه. كما تناول المشاركون دور الشراكات بين القطاع الخاص والمؤسسات التنموية والجهات البحثية والحكومية في الجمع بين التمويل والخبرة والمعرفة، واختبار نماذج قابلة للتطوير والوصول إلى نطاق أوسع.
وخلال الملتقى، استعرضت مؤسسة ساويرس تجربتها في توظيف الأدلة والتقييم والتعلم المستمر في تطوير برامجها، ومراجعة التدخلات التي لا تحقق النتائج المتوقعة، والبناء على ما يثبت فاعليته. وقدمت المؤسسة برنامج «باب أمل» كنموذج عملي لهذا النهج؛ الذي يستند إلى الأدلة، ويجمع بين الدعم الاقتصادي والاجتماعي وبناء سبل العيش والمتابعة المكثفة للأسر، مع الاستفادة من نتائج البحث والتقييم في تطوير النموذج. وقد وصل البرنامج حتى الآن إلى حوالي 14,000 أسرة، وأسهم في تحقيق زيادة تتراوح بين ثلاثة وأربعة أضعاف في قيمة الأصول لدى الأسر بعد 40 شهرًا ، بما يعكس أهمية توظيف الأدلة والبيانات في تصميم البرامج وتطويرها وتعزيز قدرتها على تحقيق أثر مستدام.
وشهد الملتقى حضور ممثلين عن وزارة التضامن الاجتماعي، من بينهم أنجي اليماني، المديرة التنفيذية لصندوق دعم الصناعات الريفية والبيئية بوزارة التضامن الاجتماعي، و ريم عبد اللطيف، استشاري متابعة وتقييم برنامج الدعم النقدي تكافل وكرامة، بما عكس تنوع الجهات والخبرات المشاركة في النقاش حول توجيه الاستثمارات المجتمعية نحو تدخلات أكثر فاعلية وقابلية للقياس.
كما تضمن الملتقى جلسة للنقاش المفتوح، استعرضت خلالها أربع تجارب وخبرات من القطاع الخاص والمجتمع المدني، بمشاركة مريم علام، مؤسسة وعضوة مجلس أمناء مؤسسة عصام ومي علام للتنمية المستدامة؛ وشمس عويس، مديرة العلاقات الحكومية والشراكات لمنطقة شمال أفريقيا وبلاد الشام وتركيا، شركة مارس ونهلة مختار، مدير عام الاتصال والتنمية المستدامة في لوريال مصر؛ ومنال حسن، رئيسة قطاع الاستدامة في السويدي إليكتريك، حيث ناقشن تجاربهن في توظيف الموارد والشراكات والمعرفة لتحقيق أثر اجتماعي وتنموي أكثر فاعلية.
كما استعرض معمل عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (J-PAL MENA) عددًا من الأبحاث والتقييمات في قطاعات تنموية مختلفة، موضحًا كيف يمكن توظيف المعرفة المتراكمة عالميًا وإقليميًا في دعم قرارات المؤسسات. وناقشت الجلسات كذلك سبل تقليص الفجوة بين البحث والتطبيق، وتحويل نتائج الدراسات إلى أدوات عملية يمكن الاستفادة منها في تصميم البرامج وتوجيه الاستثمارات المجتمعية.
وقالت ليلى حسني، المديرة التنفيذية لمؤسسة ساويرس: “في ظل اتساع الاحتياجات ومحدودية الموارد، تصبح القدرة على توجيه التمويل نحو التدخلات الأكثر فاعلية أمرًا أساسيًا. وفي مؤسسة ساويرس، نستخدم الأدلة والقياس كجزء من عملية اتخاذ القرار، لفهم ما يحقق نتائج حقيقية، وما يحتاج إلى تطوير، وأين يمكن للتوسع أن يضاعف الأثر.” وأضافت: “ننظر إلى الشراكات باعتبارها وسيلة للجمع بين قدرات وخبرات متكاملة، وليس فقط لتقاسم التمويل. فالجمع بين الخبرة التنفيذية والبحث والتمويل والتكنولوجيا والقدرة على التوسع يتيح تحويل المعرفة إلى قرارات أفضل، وبناء تدخلات أكثر فاعلية واستدامة.”
كما أكد د. أحمد السيد، المدير التنفيذي لمعمل عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (J-PAL MENA): كل برنامج اجتماعي يبدأ بنوايا حسنة، وكل من يموّله أو يديره يريد أن يعرف ما إذا كان يُحدث فرقًا حقيقيًا بالفعل. وفي J-PAL MENA، تتمثل مهمتنا في المساعدة على الإجابة عن هذا السؤال استنادًا إلى الأدلة العلمية لا إلى الافتراضات. فتقييمات الأثر التي نجريها تعتمد على منهجيات علمية صارمة، في مقدمتها التجارب العشوائية المحكّمة، ولا تكتفي بإخبارنا عمّا إذا كان البرنامج ناجحًا، بل تخبرنا أيضًا لماذا نجح، ولمن، وبأي تكلفة. وعندما تُدمج المنظمات هذه الأدلة العلمية الموثوقة في كيفية تصميم برامجها وتمويلها، يحقق كل جنيه يُنفَق أثرًا أكبر، ويصبح التغيير الناتج عنه قابلًا للقياس والثقة والتوسّع.
واختُتم الملتقى بحوار حول الخطوات التي يمكن للمؤسسات اتخاذها لإدماج الأدلة بصورة أكثر منهجية في قراراتها؛ من تحديد المشكلة قبل اختيار التدخل، والاطلاع على ما تقوله الأبحاث والخبرات السابقة، إلى وضع مؤشرات واضحة للنتائج، والتعلم من التنفيذ، واستخدام هذه المعرفة في القرارات اللاحقة.
ويأتي ملتقى “الأثر القائم على الأدلة” ضمن التعاون الممتد بين مؤسسة ساويرس وJ-PAL MENA لتعزيز استخدام البحث والتقييم في العمل التنموي، وتقريب المسافة بين المعرفة والممارسة، ودعم المؤسسات في توجيه مواردها إلى تدخلات أكثر فاعلية وقابلية للتوسع.
انسخ الرابط المختصر وشاركه للوصول المباشر للمقال