تجاوز الدولار الأمريكي مستوى 56 جنيهًا في البنوك المصرية خلال تعاملات الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، مسجلًا نحو 56.35 جنيه للبيع في عدد من البنوك، قبل أن يتراجع في ختام التعاملات لدى بعض البنوك. ويأتي ذلك وسط ضغوط مرتبطة بخروج استثمارات أجنبية من أدوات الدين الحكومية، وتصاعد المخاوف الجيوسياسية، وتزايد أهمية تطورات أسعار الطاقة في تحديد مسار سوق الصرف.
ومع وصول الدولار إلى مستويات قياسية، يعود السؤال الأهم إلى الواجهة: هل تمثل المستويات الحالية بداية موجة جديدة من الصعود، أم أن تراجع التوترات وتحسن تدفقات النقد الأجنبي قد يفتحان الباب أمام استقرار الجنيه أو تعافيه خلال الفترة المقبلة؟
الإجابة لا ترتبط بسعر الدولار وحده، بل بمجموعة من المتغيرات تشمل أسعار النفط، وحركة الأموال الأجنبية في أدوات الدين، وتحويلات المصريين بالخارج، وإيرادات السياحة وقناة السويس، وقدرة الاقتصاد على توفير احتياجاته من العملة الصعبة.
3 سيناريوهات للدولار.. ماذا تقول توقعات بنوك الاستثمار؟
تباينت توقعات المؤسسات المالية بشأن مستقبل الدولار أمام الجنيه، مع اختلاف الفرضيات التي تستند إليها، خاصة فيما يتعلق بأسعار النفط وتطورات الأوضاع الإقليمية وحركة الاستثمارات الأجنبية.
وكان بنك الاستثمار العالمي مورجان ستانلي قد وضع في أغسطس الماضي ثلاثة سيناريوهات لسعر الدولار خلال العام المالي 2026/2027، تراوحت بين 46 و48 جنيهًا في السيناريو المتفائل، و48 و50 جنيهًا في السيناريو الأساسي، و50 و52 جنيهًا في السيناريو السلبي. لكن تجاوز الدولار هذه النطاقات في أكتوبر يوضح مدى سرعة تغير الافتراضات التي تُبنى عليها التوقعات.
وفي سبتمبر، توقعت بحوث برايم القابضة تحرك الدولار بين 50 و54 جنيهًا بنهاية العام، مع افتراض استمرار ارتفاع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل.
كما توقع هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث بشركة الأهلي فاروس، في تصريحات نُشرت يوم 24 أكتوبر، تحرك الدولار بين 53.5 و54 جنيهًا قبل احتمال تراجعه إلى مستويات قريبة من 50 جنيهًا حال انحسار التوترات الإقليمية.
وتعكس هذه التقديرات المنشورة قبل بلوغ الدولار 56 جنيهًا فجوة بين التوقعات السابقة والأسعار الفعلية، وهو ما يجعل تحديث السيناريوهات ضرورة عند تقييم مسار العملة خلال الفترة المقبلة.
باهر عبد العزيز: استمرار الضغوط الخارجية يزيد مخاطر ارتفاع الدولار
قال الدكتور باهر عبد العزيز، خبير التمويل والاستثمار والشريك بشركة فيسليفت للاستشارات، إن مستقبل الدولار أمام الجنيه يتوقف على مدى استمرار الضغوط الخارجية، وفي مقدمتها التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة، بالتوازي مع حركة الاستثمارات الأجنبية وتطور موارد النقد الأجنبي.
وأوضح أن استمرار التوترات وارتفاع تكلفة الطاقة قد يزيدان الطلب على الدولار لتغطية الواردات والالتزامات الخارجية، فضلًا عن احتمالات استمرار خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية من أدوات الدين الحكومية، بما يرفع الضغوط على سوق الصرف.
وأضاف أن السيناريو الأكثر سلبية يفترض استمرار الضغوط الحالية وتفاقمها، بما قد يدفع الدولار إلى مستويات أعلى من 56 جنيهًا، مع احتمالات تجاوز 57 جنيهًا إذا تزامن ذلك مع تراجع التدفقات الأجنبية وزيادة الطلب على العملة الصعبة.
وفي المقابل، أشار إلى أن انحسار التوترات الإقليمية وتراجع أسعار النفط وتحسن تدفقات النقد الأجنبي قد تتيح فرصة لاستقرار الدولار ثم تراجعه تدريجيًا، لكن ذلك يتطلب تحسنًا ملموسًا ومستدامًا في مصادر العملة الأجنبية، وليس مجرد تحسن مؤقت في معنويات الأسواق.
وأكد أن تحديد مستهدف سعري جديد للدولار يجب أن يستند إلى تحديث البيانات والافتراضات، خاصة بعد تجاوز الأسعار الفعلية نطاقات توقعات عدد من المؤسسات المالية التي صدرت خلال الأشهر الماضية.
شيماء وجيه: خروج الاستثمارات الأجنبية وأسعار الطاقة يحددان اتجاه الجنيه
من جانبها، قالت الدكتورة شيماء وجيه، الخبيرة المصرفية، إن تقييم اتجاه الدولار خلال الفترة المقبلة يتطلب النظر إلى توازن العرض والطلب على النقد الأجنبي، ومدى تأثره بالتطورات العالمية وحركة رؤوس الأموال، إلى جانب المؤشرات الأساسية للاقتصاد المصري.
وأوضحت أن ارتفاع الدولار لا يرتبط فقط بزيادة الطلب المحلي على العملة الأجنبية، وإنما يتأثر كذلك بقرارات المستثمرين الأجانب بشأن الاحتفاظ باستثماراتهم في أدوات الدين المصرية أو التخارج منها، خاصة في فترات تصاعد المخاطر العالمية وارتفاع جاذبية الدولار كملاذ استثماري.
وأضافت أن استمرار ارتفاع أسعار النفط قد يرفع تكلفة الواردات ويزيد احتياجات الاقتصاد من العملة الصعبة، وهو ما يفرض أهمية متابعة تطورات إيرادات السياحة وقناة السويس وتحويلات المصريين بالخارج والاستثمارات المباشرة.
وأشارت إلى أن انحسار التوترات الجيوسياسية قد يساعد على استعادة جانب من ثقة المستثمرين وتحسين تدفقات رؤوس الأموال، بما يدعم استقرار سوق الصرف، في حين أن استمرار الاضطرابات قد يطيل أمد الضغوط على الجنيه.
وشددت على ضرورة التفرقة بين التحركات قصيرة الأجل لسعر الدولار والاتجاهات المرتبطة بالأساسيات الاقتصادية، مع متابعة تطورات السيولة الدولارية والاحتياطي النقدي الأجنبي والتزامات التمويل الخارجي لتقييم قدرة الاقتصاد على التعامل مع الصدمات.
ما المؤشرات التي يجب مراقبتها خلال الفترة المقبلة؟
تتوقف قراءة اتجاه الدولار على مجموعة من المؤشرات التي قد تعزز الضغوط على الجنيه أو تحد منها، وأبرزها:
* أسعار النفط والطاقة: ارتفاعها يزيد تكلفة الواردات، بينما قد يخفف تراجعها الضغط على الطلب الدولاري.
* استثمارات الأجانب في أدوات الدين: استمرار التخارج يرفع الطلب على العملات الأجنبية، في حين قد تدعم عودة التدفقات استقرار السوق.
* تحويلات المصريين بالخارج: تمثل أحد مصادر النقد الأجنبي المهمة للاقتصاد.
* السياحة وقناة السويس: يؤثر أداء القطاعين في حصيلة النقد الأجنبي.
* الاستثمار الأجنبي المباشر: تسهم التدفقات المستدامة في دعم الموارد الدولارية على المدى الأطول.
* الاحتياطي النقدي الأجنبي: يوفر مؤشرًا على قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية والوفاء بالتزاماته.
وتشير بيانات منشورة عن البنك المركزي المصري إلى ارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي إلى 57.35 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2026، مقابل 57.21 مليار دولار في نهاية أغسطس، بزيادة 137 مليون دولار.
بعد تجاوز الدولار 56 جنيهًا، لم تعد التوقعات التي وُضعت قبل أسابيع كافية وحدها لتحديد المسار المقبل. فاستمرار التوترات وارتفاع تكلفة الطاقة وخروج الاستثمارات الأجنبية قد يبقي الضغوط قائمة، بينما يمكن لتحسن التدفقات الدولارية وهدوء الأوضاع الإقليمية أن يدعما الاستقرار.
لكن تحديد نطاق رقمي جديد يظل مرهونًا بتحديث التقديرات على ضوء الأسعار الحالية والبيانات الأحدث، بدلًا من إعادة استخدام مستهدفات سابقة تجاوزها السوق بالفعل.
انسخ الرابط المختصر وشاركه للوصول المباشر للمقال