تتجه أنظار الأسواق العالمية اليوم إلى اجتماع مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي، وسط حالة من الترقب بشأن مسار أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة، في ظل استمرار التضخم أعلى من مستهدف البنك المركزي، بالتزامن مع بيانات أظهرت تماسك سوق العمل الأميركي.
وفي هذا السياق، أكد المهندس سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لمنصة آي صاغة، أن اجتماع الفدرالي اليوم يمثل أحد أهم الأحداث المؤثرة في حركة الأسواق العالمية وأسعار الذهب، موضحًا أن السوق لا يترقب قرار الفائدة فقط، وإنما يترقب بصورة أكبر الرسالة التي سيقدمها الفدرالي بشأن مستقبل السياسة النقدية.
وقال المهندس سعيد إمبابي إن أي إشارة إلى استمرار التشديد النقدي قد تدفع الدولار وعوائد السندات إلى الارتفاع، وهو ما يمثل ضغطًا على الذهب، بينما قد يؤدي تبني لهجة أكثر مرونة إلى تقليص الضغوط على المعدن النفيس.
وأضاف:“الذهب يترقب اليوم ما سيقوله الفدرالي أكثر مما يترقب القرار نفسه؛ لأن الأسواق عادةً ما تسعّر القرارات المتوقعة مسبقًا، بينما المفاجأة الحقيقية تأتي من تغيير التوقعات بشأن الاجتماعات المقبلة.”
ويأتي اجتماع مجلس الاحتياطي الفدرالي في توقيت بالغ الحساسية، بعدما أعادت بيانات التضخم وسوق العمل تشكيل توقعات المستثمرين بشأن اتجاه أسعار الفائدة الأميركية.
وتبحث الأسواق عن إجابة واضحة حول سؤال رئيسي: هل يتجه الفدرالي إلى مواصلة تشديد السياسة النقدية لمواجهة التضخم، أم يبدأ في إعطاء إشارات أكثر مرونة تجاه أسعار الفائدة؟
وتزداد أهمية الاجتماع مع استمرار التضخم الأميركي عند مستويات أعلى من المستهدف البالغ 2%، حيث استقر معدل التضخم السنوي عند 3.4%، بينما سجل التضخم ارتفاعًا شهريًا قدره 0.4% خلال أغسطس، وهو أعلى معدل شهري منذ مايو.
ويرى إمبابي أن استمرار التضخم فوق مستهدف الفدرالي يضع البنك المركزي أمام تحدٍ واضح، خاصة مع عدم وجود مؤشرات على تراجع سريع ومستدام للأسعار نحو مستوى 2%.
وفي المقابل، جاءت بيانات سوق العمل أكثر قوة، بعدما أضاف الاقتصاد الأميركي 162 ألف وظيفة خلال أغسطس، بينما استقر معدل البطالة عند 4.1%.
ويشير إمبابي إلى أن قوة سوق العمل تمثل عاملًا مهمًا في معادلة الفدرالي، لأنها تمنحه مساحة أكبر للتعامل مع التضخم دون أن يكون مضطرًا بالضرورة إلى تخفيف السياسة النقدية سريعًا خشية حدوث تدهور حاد في سوق الوظائف.
وأوضح أن الأسواق أصبحت أمام معادلة أكثر تعقيدًا، تتمثل في:تضخم مرتفع نسبيًا + سوق عمل متماسك + توقعات متغيرة للفائدة = تقلبات مرتفعة في الأسواق.
وأعادت البيانات الأخيرة رهانات رفع الفائدة إلى صدارة المشهد، بعدما كانت توقعات الأسواق خلال الفترة الماضية تميل بصورة أكبر نحو خفض أسعار الفائدة.
وبحسب تقديرات السوق الواردة في التقرير، ارتفعت احتمالات رفع الفائدة في اجتماع سبتمبر إلى مستويات مرتفعة، مع وجود توقعات باستمرار التشديد النقدي في اجتماعات لاحقة.
وأكد إمبابي أن التعامل مع الاحتمالات وحدها لا يكفي لقراءة اتجاه الذهب، لأن الأهم هو مقارنة القرار الفعلي بما سبق أن قامت الأسواق بتسعيره.
تابع:“إذا جاء القرار متوافقًا مع توقعات الأسواق، فقد يكون جزء كبير من تأثيره قد انعكس بالفعل على الأسعار. أما إذا حمل الفدرالي مفاجأة في لهجته أو أشار إلى مسار أكثر تشددًا مما تتوقعه الأسواق، فقد نرى رد فعل أقوى في الدولار والعوائد والذهب.”
وتشير تصريحات عدد من مسؤولي الفدرالي خلال الأيام الماضية إلى أن التضخم لا يزال يمثل أحد أبرز التحديات أمام السياسة النقدية.
كما أن التركيز على استقرار الأسعار ظهر بوضوح في تصريحات رئيس الفدرالي كيفن وارش خلال ندوة جاكسون هول السنوية أواخر أغسطس، حيث اتخذ موقفًا حذرًا تجاه التضخم، دون تقديم توجيه مسبق واضح بشأن قرار سبتمبر.
ويعني ذلك أن الأسواق تترقب اليوم ليس فقط قرار الفائدة، ولكن أيضًا نبرة رئيس الفدرالي خلال المؤتمر الصحفي وما إذا كانت ستشير إلى استمرار التشديد أو إلى إمكانية تغير المسار لاحقًا.
تابع:”ولا ترتبط جميع الضغوط التضخمية بقوة الطلب داخل الاقتصاد الأميركي، إذ توجد عوامل أخرى يمكن أن تدفع الأسعار إلى الارتفاع، مثل أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد”.
وأوضح إمبابي أن أدوات السياسة النقدية لها حدود واضحة،حيث أن رفع الفائدة يمكن أن يضغط على الطلب ويحد من انتقال التضخم إلى الاقتصاد، لكنه لا يستطيع بمفرده معالجة صدمات المعروض أو خفض أسعار النفط أو إنهاء اضطرابات سلاسل الإمداد.”
وأضاف أن هذه النقطة تجعل مهمة الفدرالي أكثر تعقيدًا، لأنه مطالب بتحقيق توازن بين السيطرة على التضخم والحفاظ على استقرار سوق العمل، في وقت تتأثر فيه الأسعار بعوامل خارج نطاق السياسة النقدية.
وقال إن الذهب يعد من أكثر الأصول حساسية تجاه تغير توقعات أسعار الفائدة الأميركية، لذلك تترقب الأسواق اليوم انعكاس قرار الفدرالي وتصريحاته على سعر الذهب عالميًا.
وذكر إمبابي أن ارتفاع توقعات الفائدة عادةً ما يدعم الدولار وعوائد السندات، ما يفرض ضغوطًا على الذهب، في حين أن تراجع توقعات التشديد النقدي قد يوفر للمعدن النفيس مساحة أكبر للحركة.
تابع: كلكن حركة الذهب لا تعتمد على الفائدة وحدها، إذ تتداخل معها عوامل أخرى، من بينها حركة الدولار الأميركي وعوائد السندات الأميركية وتوقعات التضخم والتوترات الجيوسياسية، فضلا عن مشتريات البنوك المركزية وتدفقات الاستثمار إلى الذهب و توقعات النمو الاقتصادي العالمي.
ولفت إمبابي إلي وجود ثلاثة مؤشرات رئيسية ستكون محل اهتمام الأسواق بعد إعلان القرار وهي قرار أسعار الفائدة ، وهو الحدث المباشر الذي ستبني عليه الأسواق تحركاتها الأولى.
وذلك بجانب تصريحات كيفن وارش.
لأن لهجة رئيس الفدرالي قد تحدد ما إذا كان القرار يمثل بداية لمسار جديد أم مجرد تحرك منفرد.
فضلا ً عن توقعات الاجتماعات المقبلة وهي النقطة الأكثر أهمية بالنسبة للذهب والأسواق، لأن المستثمرين يهتمون بمسار الفائدة وليس بمستوى الفائدة في اجتماع واحد فقط.
وأكد إمبابي أن حالة الترقب الحالية تعكس أهمية اجتماع الفدرالي بالنسبة للأسواق العالمية، مشيرًا إلى أن المفاجأة في القرار أو التصريحات المصاحبة له قد تكون أكثر تأثيرًا من القرار نفسه.
وقال إن السوق يتحرك قبل القرار بناءً على التوقعات، لكن الحركة الأكبر عادةً تأتي عندما تختلف الرسالة الفعلية عن هذه التوقعات. لذلك فإن الذهب والدولار وعوائد السندات ستكون أمام اختبار حقيقي فور صدور القرار وبدء المؤتمر الصحفي.”
وأضاف أن المستثمرين في سوق الذهب المحلي يجب أن يضعوا في الاعتبار أن حركة الأوقية عالميًا ليست العامل الوحيد المحدد لسعر الذهب في مصر، إذ يتأثر السعر المحلي أيضًا بحركة سعر صرف الدولار وحالة العرض والطلب في السوق المحلية.
ويأتي اجتماع الفدرالي الأميركي اليوم في وقت شديد الحساسية بالنسبة للأسواق، مع استمرار التضخم فوق مستهدف البنك المركزي، وظهور قوة في سوق العمل، وعودة توقعات التشديد النقدي إلى الواجهة.
وبالنسبة للذهب، فإن الأنظار لن تتوقف عند قرار الفائدة، وإنما ستمتد إلى لغة الفدرالي بشأن التضخم وسوق العمل ومسار أسعار الفائدة خلال الاجتماعات المقبلة.
وبحسب إمبابي، فإن الرسالة الأهم للأسواق اليوم هي أن اتجاه الذهب قد يتحدد بصورة أكبر من خلال مفاجأة الفدرالي مقارنة بما هو مسعّر بالفعل في الأسواق، وهو ما يجعل الساعات التالية للقرار من أكثر الفترات أهمية في تحديد اتجاه المعدن النفيس خلال المرحلة المقبلة.
انسخ الرابط المختصر وشاركه للوصول المباشر للمقال