أكد المهندس وليد مرسي، رئيس شركة DCI PLUS للاستشارات الهندسية وعضو لجنة الاستشارات الهندسية بجمعية رجال الأعمال المصريين، أن تكلفة تطبيق اشتراطات البناء الأخضر تتحدد بدرجة كبيرة قبل بدء الإنشاء وليس أثناءه، مشددًا على أن دمج متطلبات الاستدامة منذ المراحل الأولى للتخطيط والتصميم يساعد المطورين على السيطرة على التكلفة وتجنب تعديلات هندسية مكلفة بعد انطلاق التنفيذ.
وقال مرسي إن انتقال اشتراطات البناء الأخضر إلى مرحلة التطبيق الإلزامي في عدد من المدن الجديدة يعزز أهمية دور الاستشاري الهندسي في دورة المشروع العقاري، إذ لم يعد دوره يقتصر على إعداد التصميمات والإشراف على التنفيذ، وإنما يمتد إلى إدارة التكلفة وتحقيق التوازن بين متطلبات الاستدامة والجدوى الاستثمارية للمشروع.
وأوضح أن البناء الأخضر يجب ألا يتم التعامل معه باعتباره مجموعة من الاشتراطات التي تضاف إلى المشروع بعد اكتمال تصميمه، وإنما كمنظومة متكاملة تبدأ من دراسة الموقع وإعداد المخطط العام وتوجيه المباني، مرورًا باختيار نظم الواجهات والعزل ومواد البناء وتصميم أنظمة الكهرباء والتكييف والمياه، وصولًا إلى التشغيل والصيانة.
وأضاف أن إدخال متطلبات الاستدامة بعد الانتهاء من التصميمات أو بدء التنفيذ يمكن أن يفرض على المطور تعديلات وتكاليف إضافية كان من الممكن تجنب جزء كبير منها إذا جرى دمج هذه المتطلبات منذ البداية، مؤكدًا أن كل قرار هندسي يتم اتخاذه في مرحلة مبكرة تكون تكلفة تعديله أقل مقارنة بإجراء التغيير بعد بدء الأعمال الإنشائية.
وأشار مرسي إلى أن التصميم الذكي يستطيع تقليل جانب من التكلفة المرتبطة بتطبيق معايير البناء الأخضر، من خلال تحسين اتجاهات المباني والاستفادة من الإضاءة والتهوية الطبيعية وتقليل الأحمال الحرارية واختيار أنظمة العزل والواجهات المناسبة، إلى جانب تحديد القدرات الفعلية المطلوبة لأنظمة التكييف والكهرباء والمياه بدلًا من المبالغة في تصميمها.
وأكد أن القضية لا تتعلق فقط بتكلفة إنشاء المبنى، وإنما بتكلفته طوال فترة التشغيل، موضحًا أن بعض الحلول الهندسية التي قد ترفع التكلفة الاستثمارية في البداية يمكن أن تحقق وفورات ممتدة في استهلاك الطاقة والمياه وأعمال التشغيل والصيانة.
وشدد على ضرورة الانتقال من التركيز على «التكلفة الأولية» إلى دراسة «تكلفة دورة حياة المبنى»، بحيث يحصل المطور قبل اتخاذ قراره على مقارنة واضحة بين البدائل التصميمية المختلفة، وتكلفة كل بديل عند الإنشاء وحجم ما يمكن أن يحققه من كفاءة ووفورات خلال سنوات التشغيل.
وأوضح مرسي أن هذه الرؤية تجعل الاستشاري الهندسي شريكًا في القرار الاستثماري للمطور وليس مجرد مقدم خدمة فنية، لأن الاختيارات التي يتم حسمها في مراحل التخطيط والتصميم تؤثر بصورة مباشرة على تكلفة المشروع وقابليته للتشغيل والقيمة المستقبلية للأصل العقاري.
وأشار إلى أن التطبيق الفعال لمتطلبات البناء الأخضر يتطلب مشاركة الاستشاري المتخصص في الاستدامة منذ مرحلة دراسة الجدوى والتخطيط، وليس بعد الانتهاء من التصميم، مع تحقيق التكامل بين المعماري والاستشاريين المتخصصين في الأعمال الإنشائية والكهرباء والميكانيكا والطاقة.
وأضاف أن التنسيق المبكر بين مختلف التخصصات يقلل التعارضات أثناء التنفيذ ويحد من أوامر التغيير وإعادة تنفيذ الأعمال، وهي عناصر قد ترفع التكلفة بصورة أكبر من تكلفة تطبيق بعض اشتراطات الاستدامة نفسها.
وأكد رئيس شركة DCI PLUS أن استخدام التكنولوجيا ونمذجة معلومات البناء BIM يمثل أحد الأدوات المهمة التي يمكن أن تساعد المطورين على تحقيق هذه المعادلة، من خلال اختبار التصميمات واكتشاف التعارضات الهندسية قبل الوصول إلى موقع المشروع، ورفع كفاءة إدارة مراحل التصميم والتنفيذ.
وأوضح أن المحاكاة الرقمية تتيح كذلك دراسة أداء المبنى قبل تنفيذه، واختبار سيناريوهات مختلفة للواجهات والعزل والإضاءة والتكييف واستهلاك الطاقة والمياه، بما يساعد على اختيار الحل الأكثر كفاءة من الناحيتين الهندسية والاقتصادية.
وأكد مرسي أن البناء الأخضر لا يعني بالضرورة اللجوء إلى حلول تكنولوجية مرتفعة التكلفة، مشيرًا إلى أن جزءًا مهمًا من كفاءة المبنى يمكن تحقيقه من خلال قرارات تصميمية صحيحة وبسيطة إذا اتُخذت في الوقت المناسب.
وأضاف أن الاستدامة الحقيقية لا يجب أن تنتهي عند حصول المشروع على شهادة البناء الأخضر، وإنما ينبغي أن تمتد إلى قياس أداء المبنى بعد التشغيل للتأكد من تحقيق المستهدفات التي وضعت أثناء مرحلة التصميم.
وأشار إلى أهمية بناء قاعدة بيانات محلية ترصد معدلات استهلاك الطاقة والمياه وتكاليف التشغيل والصيانة في المباني الخضراء بعد تشغيلها، بما يسمح بقياس الوفورات الفعلية ومقارنة أداء المشروعات وتطوير المعايير والأكواد مستقبلًا بناءً على نتائج حقيقية.
وأكد أن توافر هذه البيانات سيخدم المطورين والاستشاريين والمؤسسات المالية، لأنه يوفر مؤشرات قابلة للقياس حول الجدوى الاقتصادية للمباني المستدامة، ويساعد على الانتقال من التقديرات النظرية إلى تقييم الأداء الفعلي للأصول العقارية.
وأوضح مرسي أن تطبيق اشتراطات البناء الأخضر يجب أن يتزامن مع تطوير منظومة التمويل الأخضر، بحيث تستطيع المشروعات التي تحقق مستويات محددة وقابلة للقياس من كفاءة الطاقة والمياه الوصول إلى أدوات تمويل تتناسب مع طبيعة هذه الاستثمارات.
وأشار إلى أن المؤسسات المالية الدولية أصبحت أكثر اهتمامًا بتمويل المشروعات والأصول المستدامة، وهو ما يمثل فرصة أمام القطاع العقاري المصري للاستفادة من مصادر تمويل جديدة، شريطة وجود مشروعات ذات جدوى اقتصادية واضحة وقادرة على إثبات توافقها مع معايير الاستدامة.
وأكد أن إتاحة تمويل أخضر بشروط تنافسية يمكن أن تساعد على امتصاص جانب من التكلفة الاستثمارية الأولية وتحويل الاستدامة من مجرد التزام تنظيمي إلى ميزة اقتصادية واستثمارية للمشروع.
ولفت مرسي إلى أن المطورين متوسطي الحجم يمكنهم التوافق مع اشتراطات البناء الأخضر بكفاءة إذا جرى التخطيط للمشروع بصورة صحيحة منذ البداية، موضحًا أن القدرة على تطبيق الاستدامة لا ترتبط فقط بحجم الشركة، وإنما بجودة التصميم وإدارة التكلفة والاستعانة بالتخصصات الهندسية المناسبة في التوقيت الصحيح.
وأضاف أن السوق تحتاج إلى تعزيز التكامل بين المطور والاستشاري والمقاول والمورد والجهات المنظمة، إلى جانب رفع كفاءة الكوادر الهندسية والفنية، لضمان تطبيق الاشتراطات بصورة تحقق أهدافها دون تحميل المشروعات تكاليف يمكن تجنبها.
وأشار إلى أن التحول نحو البناء الأخضر يمثل أيضًا فرصة أمام قطاع الاستشارات الهندسية المصري للتوسع في تخصصات جديدة مرتبطة بالاستدامة وكفاءة الطاقة ومحاكاة أداء المباني وإدارة الأصول، بما يعزز تنافسية المكاتب الاستشارية المصرية في السوق المحلية والأسواق الإقليمية.
واختتم المهندس وليد مرسي بالتأكيد على أن نجاح منظومة البناء الأخضر لا يجب أن يقاس بعدد الشهادات التي تحصل عليها المشروعات، وإنما بقدرتها على إنتاج مبانٍ أكثر كفاءة وأقل استهلاكًا للموارد، وتحقق تكلفة تشغيل أفضل وتحافظ على قيمتها على المدى الطويل.
وأكد أن الهندسة الاستشارية والتخطيط المبكر يمثلان خط الدفاع الأول أمام ارتفاع تكلفة تطبيق الاشتراطات، وأن دمج الاستدامة منذ بداية المشروع يمكن أن يحول البناء الأخضر من تكلفة إضافية يخشاها المطور إلى عنصر يرفع جودة المنتج العقاري وكفاءته وقيمته الاستثمارية.
انسخ الرابط المختصر وشاركه للوصول المباشر للمقال