بقلم: هبه علاء الدين، رئيس مجلس ادارة شركة بانكرز هب اكاديمي للتدريب والاستشارات
بين وفرة السيولة وإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، تمتلك دول الشرق الأوسط وإفريقيا فرصة نادرة لربط التمويل بالإنتاج… بشرط إعادة تعريف الدور التنموي للبنوك.
في دولٍ تمتلك وفرة من الموارد، تبدو البنوك وكأنها تقف في مساحة رمادية بين قوتين: سيولة مالية ضخمة يمكن أن تغيّر شكل الاقتصاد، وفرص عالمية تتحرك بسرعة أكبر من قدرة هذه البنوك على التقاطها. وفي لحظة يعيد فيها العالم رسم خريطة الإنتاج، يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا هو ما إذا كانت دول الموارد قادرة على تحويل هذا الفائض المالي إلى قدرة إنتاجية حقيقية، أم ستظل الاقتصادات أسيرة دورة الأسعار العالمية.
المشهد العالمي يتغيّر بعمق منذ 2020. الشركات الدولية لم تعد تبحث عن المواقع الأرخص فقط، بل عن مواقع أكثر أمانًا واستقرارًا، وعن دول تستطيع أن تقدم بنية صناعية متكاملة.
موجات إعادة تشكيل سلاسل الإمداد، وتوسع التصنيع المحلي، والسباق نحو التكنولوجيا النظيفة، خلقوا مساحة استراتيجية يمكن لدول الموارد أن تدخلها، بشرط أن تُعاد صياغة الدور التنموي للقطاع المصرفي.
فالتمويل وحده لا يصنع مواد صناعية ، تمامًا كما أن الموارد وحدها لا تصنع نفوذًا اقتصاديًا.
التجارب الدولية التي نجحت في التحول الصناعي تكشف نقطة بسيطة: البنوك لا تتحرك في الفراغ. كوريا الجنوبية لم تبنِ سامسونغ وهيونداي بالقروض فقط، بل بربط دقيق بين التمويل ورؤية صناعية واضحة.
البرازيل أيضًا لم تكن لتطلق صناعاتها المتقدمة من دون دور بنوك التنمية التي دفعت التمويل نحو قطاعات محددة. وفي المقابل، دول أخرى تمتلك موارد هائلة، لكنها تُبقي بنوكها في دور وظيفي ضيق، فتظل القروض قصيرة المدى هي السائدة، بينما تضيع الفرصة الأكبر: التمويل الإنتاجي القادر على خلق قيمة مضافة.
التحدي الأكبر في دول الموارد ليس نقص السيولة، بل نقص البيانات. فغياب قواعد معلومات اقتصادية دقيقة يجعل البنوك تتعامل مع الاقتصاد بكمّ هائل من الضبابية، ما يدفعها إلى تفضيل الإقراض التجاري السريع بدلاً من تمويل القطاعات التي تحتاج نفسًا أطول ورؤية أعمق. وفي عالم تتحول فيه البيانات إلى الوقود الرئيسي للاقتصاد، يصبح ضعف المعلومات سببًا مباشرًا في تعطل فرص صناعية وزراعية كان يمكن أن تغيّر شكل الناتج المحلي بالكامل.
في الوقت نفسه، تتسارع الفرص العالمية أمام دول لديها إمكانات مختلفة عن غيرها.
التحول الصناعي الأخضر يفتح الباب أمام الدول النفطية تحديدًا للانتقال من تصدير الخام إلى تصنيع يعتمد على طاقة منخفضة التكلفة. إعادة توطين سلاسل الإمداد تمنح الدول العربية والإفريقية ذات المواقع الجغرافية الحساسة فرصة أن تتحول إلى مراكز إنتاج إقليمية.
الأمن الغذائي العالمي، الذي يشهد ضغوطًا متصاعدة، يفتح المجال أمام الدول ذات الأراضي الواسعة لتأسيس قطاعات زراعية عالية التقنية. التكنولوجيا المالية تبقى بابًا أساسيًا لتوسيع السوق المالي وتعزيز قدرته على تمويل الصناعة. وحتى الصناعات الدوائية والبيوتكنولوجي—التي أصبحت جزءًا من الأمن القومي للدول—تحتاج فقط بيئة تمويل طويلة المدى.
لكن الفرصة لا تأتي بلا مخاطر. الوفرة المالية قد تتحول إلى عبء إذا لم تُدار بشكل تنموي. ففي عدة تجارب، أدت موجات التوسع الائتماني غير المنظم إلى تضخم واختلالات في أسعار الأصول، ثم انكماش اقتصادي لاحق.
السيولة التي لا تدخل في إنتاج حقيقي تصبح محركًا للاستهلاك، لا للنمو. وهذا تحديدًا ما يجعل الاقتصادات المرتبطة بالموارد عرضة لتقلبات أسعار الطاقة، مهما امتلكت من فوائض مالية.
لذلك، يصبح دور البنوك في دول الموارد أكبر بكثير من مجرد إدارة الائتمان. هو دور يبدأ ببناء قاعدة بيانات اقتصادية دقيقة تعيد الثقة لقرارات الإقراض، ويستمر بتوجيه جزء من التمويل نحو قطاعات إنتاجية ذات قيمة عالية، ويمتد ليشمل إنشاء صناديق تنموية مشتركة بين الدولة والبنوك لتمويل المشروعات طويلة الأجل. ولا يمكن فصل هذا كله عن بيئة مؤسسية تتكامل فيها سياسات البنك المركزي مع رؤية صناعية واضحة، بحيث يصبح التمويل أداة في خدمة الإنتاج، لا مجرد نشاط مالي مستقل.
وفي لحظة يعاد فيها تشكيل الاقتصاد العالمي، تتحدد مكانة الدول ليس بما تمتلكه من موارد، بل بما تنجح في بنائه من قدرة إنتاجي، الموارد قد تمنح نقطة انطلاق، لكن المستقبل تصنعه الدول التي تستطيع تحويل سيولتها إلى مصانع، وتقنياتها إلى أسواق، ورؤيتها إلى نفوذ اقتصادي حقيقي.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام دول الموارد كلها: هل ستظل البنوك مجرد خزائن للسيولة… أم تتحول إلى رافعة استراتيجية تعيد رسم مستقبل اقتصادات كاملة؟










