الموت… أبشع ما قد يمر به الإنسان، ليس لأنه نهاية الحياة فقط، بل لأنه يسرق منا من نحب دون استئذان، يقتلعهم من تفاصيل أيامنا فجأة، ويتركنا واقفين في منتصف الذهول، نحاول أن نفهم كيف اختفى كل هذا الحضور في لحظة.
الموت لا يؤلم حين يحدث… بل يؤلم فيما بعد، في كل مرة نلتفت فيها فلا نجدهم، في كل موقف كنا سنحكيه لهم، في كل ضحكة كانت ستكتمل بوجودهم ولم تكتمل.
هو ذلك الفراغ الذي لا يُملأ، والصمت الذي يعلو فوق كل الأصوات، والحنين الذي لا يهدأ مهما مرّ الوقت.
لم أكن أتخيل يومًا أن لحظة الوداع يمكن أن تكون بهذا الثقل، ولا أن الفقد يمكن أن يأتي بهذه السرعة القاسية، دون مقدمات، دون إنذار يمنح القلب فرصة للاستعداد.
لم تكن أم هشام مجرد أخت لزوجتي، بل كانت أقرب من ذلك بكثير، كانت روحًا طيبة تملأ المكان دفئًا، وكانت جزءًا لا يتجزأ من تفاصيل أيامنا التي لم أكن أظن أنها ستغيب بهذا الشكل المفاجئ.
دخلت في تعب شديد، كأن العافية انسحبت منها فجأة، بلا مقدمات تُفهم أو تُفسر، ساعات قليلة، وتحولت الضحكات إلى قلق، والحديث العادي إلى دعاء، ثم إلى صمت ثقيل أمام باب الرعاية الحرجة، كنا ننتظر أي بصيص أمل… أي خبر يطمئن القلب… لكن القدر كان أسرع من كل تمنياتنا.
أوجع ما في الأمر ليس الرحيل فقط… بل تلك الذكريات التي تزدحم الآن في ذهني، مواقفها التي لا تُنسى، ضحكتها الصافية، طيبتها التي كانت تسبقها دائمًا، وحرصها على الجميع وكأنها أم للجميع، كانت تعرف كيف تجمعنا، كيف تزرع الدفء في أي لقاء، وكيف تجعل من أبسط اللحظات ذكرى لا تُنسى.
وقبل رحيلها بأيام قليلة… جمعتنا جميعًا على مائدة واحدة في أيام العيد، عزومة كانت مليئة بالحب، بالضحك، بالحياة… وكأنها كانت تعلم، وكأن قلبها كان يخبرها أن هذا اللقاء ليس ككل اللقاءات. جمعت كل من تحب، احتضنتنا بنظراتها، وملأت المكان بوجودها… وكأنها كانت تودعنا دون أن تقول.
لم أكن أعلم أن تلك الجلسة ستكون الأخيرة… أن تلك الضحكات ستكون آخر ما يُحفر في الذاكرة بهذا الوضوح المؤلم.
رحلت أم هشام… وتركت فراغًا لا يُملأ، ووجعًا لا يُوصف، وذكريات ستظل حيّة في القلب مهما مرّ الزمن، رحل الجسد، لكن أثرها لن يرحل أبدًا… ستبقى في كل تفصيلة، في كل تجمع، في كل لحظة نتمنى فيها لو كانت بيننا.
رحمكِ الله يا أم هشام… وجعل كل ما قدمتِه من حب وخير في ميزان حسناتك، وجعل مثواكِ الجنة.
لن ننساكِ أبدًا… وستظلين دائمًا بيننا، بالدعاء، وبالحنين، وبحب لا ينتهي.










