رضياء سعد، خبيرة مصرفية
من البنوك والمدفوعات الرقمية إلى الذكاء الاصطناعي والهوية الرقمية… كيف يتحول الخطر السيبراني من مشكلة تقنية إلى قضية تمس المال والثقة والاستقرار؟
لم يعد السؤال: هل ستتعرض مصر لهجوم سيبراني؟
بل: ماذا سيحدث عندما ينجح الهجوم؟
في اقتصاد يتجه بسرعة نحو الرقمنة، قد يبدأ الهجوم من بيانات أو هوية أو حساب، لكنه يمكن أن يمتد إلى العمليات والمدفوعات وثقة العملاء، خصوصًا مع تزايد الترابط بين المؤسسات والأنظمة.
لكن قبل أن نذهب أبعد، ماذا يعني أصلًا الأمن السيبراني؟
ماذا يعني «الأمن السيبراني»؟
كلمة «سيبراني» تأتي من المصطلح الإنجليزي Cyber، وتشير إلى العالم الرقمي الذي تتصل فيه الأجهزة والأنظمة والشبكات والبيانات.
وببساطة، الأمن السيبراني هو حماية هذا العالم من الاختراق، وتعطيل الخدمات، وسرقة البيانات، وانتحال الهوية، وإساءة استخدام الأنظمة.
فإذا كان الأمن التقليدي يحمي الأصول المادية، فإن الأمن السيبراني يحمي الأصول الرقمية التي أصبح الاقتصاد يعتمد عليها: البيانات، والأنظمة، والشبكات، والهويات، والخدمات الرقمية.
من حماية المعلومات… إلى حماية الاقتصاد
لم يعد الأمن السيبراني مجرد مسؤولية تقنية.
فانقطاع خدمة مالية، أو اختراق بيانات العملاء، أو سرقة هوية رقمية، قد يتحول إلى خسائر تشغيلية ومالية، ويؤثر في استمرارية الأعمال وثقة العملاء.
ولهذا أصبح الأمن السيبراني جزءًا من إدارة المخاطر واستمرارية الأعمال.
كلما أصبحت التكنولوجيا جزءًا أكبر من الاقتصاد، أصبحت حمايتها جزءًا من حماية الاقتصاد نفسه.
مصر الرقمية: كلما زاد الاتصال… اتسع سطح الخطر
الخدمات المصرفية الرقمية، والمدفوعات الإلكترونية، والتكنولوجيا المالية، والخدمات الحكومية الرقمية، والهوية الرقمية، كلها تدفع مصر نحو اقتصاد أكثر اتصالًا.
لكن كل نقطة اتصال جديدة تعني أيضًا نقطة تحتاج إلى حماية.
وهنا يظهر القطاع المصرفي والمالي في قلب المعادلة؛ لأنه يجمع بين الأموال والبيانات والهوية والمدفوعات والثقة.
ومع ارتباط البنوك بشركات التكنولوجيا المالية، ومزودي الخدمات، والمنصات التقنية، لم تعد حماية المؤسسة وحدها كافية.
فهل المؤسسة آمنة إذا كان أحد شركائها غير آمن؟
قد يكون الخطر خارج المؤسسة، لكنه يصل إليها عبر أحد الأطراف التي تعتمد عليها. ومن هنا تصبح مخاطر الأطراف الخارجية وحماية المنظومة بأكملها جزءًا من الأمن السيبراني.
عندما تصبح الهوية هدفًا… والذكاء الاصطناعي سلاحًا
مع توسع الهوية الرقمية واعرف عميلك إلكترونيًا (eKYC)، أصبحت حماية الهوية جزءًا أساسيًا من حماية الخدمات المالية.
فالسؤال لم يعد فقط:
هل يستطيع شخص الوصول إلى حسابي؟
بل:
هل يستطيع إقناع النظام بأنه أنا؟
وفي الوقت نفسه، يضيف الذكاء الاصطناعي طبقة جديدة من التعقيد.
يمكن استخدامه لاكتشاف الاحتيال وتحليل التهديدات ودعم الاستجابة للحوادث، لكنه يمنح المهاجمين أيضًا أدوات أكثر تطورًا في الاحتيال والهندسة الاجتماعية وانتحال الهوية.
لذلك أصبحت المعركة تعتمد على السرعة والتعلم والتكيف بقدر اعتمادها على التكنولوجيا.
من الأمن السيبراني إلى المرونة السيبرانية
لا توجد حماية مطلقة.
ولهذا يتحول السؤال من:
كيف نمنع الهجوم؟
إلى:
كيف نستمر عندما يحدث؟
المرونة السيبرانية تعني قدرة المؤسسة على اكتشاف الهجوم، واحتوائه، والحفاظ على الخدمات الأساسية، والتعافي، والتعلم منه.
وهذا مهم للقطاع المالي بشكل خاص، لأن حادثًا سيبرانيًا قد يتجاوز حدود مؤسسة واحدة في منظومة مترابطة، ويؤثر في العمليات والمدفوعات والثقة.
ومن هنا تظهر المخاطر السيبرانية النظامية، حيث يمكن أن يتحول حادث مؤسسي إلى خطر أوسع على الاستقرار المالي.
مصر… 2027 ليست النهاية
لم تبدأ مصر التعامل مع الأمن السيبراني اليوم. فقد أُنشئ المركز المصري للاستعداد لطوارئ الحاسبات والشبكات (EG-CERT) في أبريل 2009، ثم تأسس المجلس الأعلى للأمن السيبراني في 2014، وأُطلقت الاستراتيجية الوطنية الأولى للأمن السيبراني للفترة 2017–2021. (EGCert)
ثم جاءت الاستراتيجية الوطنية الحالية 2023–2027، التي تستهدف بناء فضاء سيبراني آمن وقادر على الصمود، وتعزيز الدفاعات والوعي والقدرات والابتكار والتعاون. (EGCert)
لكن 2027 ليست مجرد تاريخ لنهاية استراتيجية.
فمصر بدأت بالفعل الاستعداد للمرحلة التالية من خلال العمل على الإصدار الثالث من الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني. وحتى الآن، لم يُعلن رسميًا عن المدة الزمنية التي سيغطيها هذا الإصدار. (SIS)
وهنا يصبح السؤال الأهم:
هل ما نبنيه اليوم قادر على حماية اقتصاد الغد؟
والسؤال الأصعب: ماذا لو نجح الهجوم؟
هنا يتغير مقياس القوة.
ليس فقط: كم هجومًا منعنا؟
بل:
كم استغرق اكتشافه؟
كم استغرق احتواؤه؟
هل استمرت الخدمات الأساسية؟
وكم استغرق التعافي؟
لأن الهدف ليس بناء اقتصاد رقمي لا يتعرض للخطر.
بل بناء اقتصاد رقمي يستطيع أن يستمر عندما يتعرض للخطر.
الخلاصة
الأمن السيبراني لم يعد قضية تقنية تخص الأنظمة والشبكات فقط.
إنه جزء من حماية المال، والهوية، والبيانات، واستمرارية الأعمال، والثقة، والاستقرار المالي.
ومع انتقال مصر إلى مرحلة أعمق من الرقمنة، تصبح المعادلة واضحة:
كلما أصبح الاقتصاد أكثر رقمية، أصبح الأمن السيبراني جزءًا من قدرته على النمو والاستمرار.
فالقوة الحقيقية للاقتصاد الرقمي لا تُقاس فقط بمدى سرعة اتصاله… بل بقدرته على الصمود عندما يتعرض هذا الاتصال للخطر.
انسخ الرابط المختصر وشاركه للوصول المباشر للمقال