بقلم: سارة أحمد
في عالم التسويق والإعلانات، لم يعد الهدف الأساسي هو مجرد عرض المنتج أو إبراز مزاياه، بل أصبح جذب الانتباه وصناعة الجدل أحد أهم أدوات الانتشار. فالإعلان الذي يثير النقاش قد يحقق انتشارًا أوسع بكثير من إعلان تقليدي هادئ، وهو ما يدفع بعض العلامات التجارية إلى تبني أفكار صادمة أو غير تقليدية.
وخلال موسم إعلانات رمضان هذا العام، أثار إعلان لكحك العيد موجة واسعة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما ظهر المنتج داخل خزنة بسعر يصل إلى 39 ألف جنيه، مع تبرير السعر بأنه “Handmade” أو مصنوع يدويًا. وبينما اعتبر البعض الفكرة مجرد محاولة تسويقية مبتكرة لجذب الانتباه، رأى آخرون أنها رسالة استفزازية لا تتناسب مع الأوضاع الاقتصادية التي يعيشها كثير من المواطنين.
في الحقيقة، هذا الجدل يفتح بابًا مهمًا للنقاش حول فلسفة الإعلانات الحديثة. هل تعتمد العلامات التجارية على قوة اسمها فقط؟ أم تراهن على ظهور المشاهير لجذب الجمهور؟ أم تترك الرهان بالكامل على فكرة مبتكرة يصنعها الـ Creator حتى لو كانت صادمة أو مثيرة للجدل؟
الإجابة غالبًا تكون مزيجًا من كل ذلك. فالإعلان اليوم لم يعد مجرد رسالة تجارية، بل أصبح حدثًا رقميًا يتم تداوله ومناقشته وتحليله عبر منصات التواصل الاجتماعي. لذلك، قد يكون الجدل نفسه جزءًا من الاستراتيجية التسويقية، خاصة إذا كان الهدف هو الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الجمهور في وقت قصير.
لكن المشكلة الحقيقية تظهر عندما يتصادم توقيت الرسالة الإعلانية مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي. فالعالم يعيش حالة من التوترات الجيوسياسية والاقتصادية، ومعها ترتفع أسعار العديد من السلع الأساسية. وفي ظل هذه الظروف، قد يبدو الإعلان عن كحك العيد داخل خزنة وبسعر عشرات الآلاف من الجنيهات وكأنه رسالة منفصلة عن واقع الشارع.
هنا يطرح سؤال مهم نفسه: هل يجب على الشركات أن تعيد تقييم رسائلها التسويقية وفقًا للظروف المحيطة؟ أم أن الحملات الإعلانية بعد إطلاقها تصبح التزامًا يصعب التراجع عنه بسبب الميزانيات الضخمة التي تم إنفاقها بالفعل؟
في كثير من الأحيان، تكون الشركات قد استثمرت بالفعل ميزانيات كبيرة في إنتاج الإعلان، ما يجعل التراجع عنه قرارًا مكلفًا. لذلك قد تختار المضي قدمًا في نشره حتى لو تغيرت الظروف المحيطة أو أصبح محتواه مثيرًا للحساسية.
وفي المقابل، هناك من يرى أن هذه النوعية من الإعلانات تستهدف شريحة محددة من العملاء الباحثين عن التميز والمنتجات الفاخرة، حتى لو بدت الفكرة غير منطقية بالنسبة لغالبية الجمهور. فالسوق دائمًا يحتوي على فئات مستعدة لدفع مبالغ كبيرة مقابل تجربة مختلفة أو منتج يحمل طابعًا استثنائيًا.
ورغم كل ذلك، يبقى السؤال مطروحًا: هل ما حدث مجرد فكرة تسويقية ذكية نجحت في تحقيق الانتشار؟ أم أنه مثال على إعلان تجاوز حساسية التوقيت والواقع الاجتماعي؟
ربما الإجابة تختلف من شخص لآخر. لكن المؤكد أن الإعلان نجح في تحقيق هدف أساسي لأي حملة تسويقية: أن يصبح حديث الناس.
وفي النهاية، سيظل الجدل جزءًا من لعبة التسويق الحديثة. فبين الإعلان الجاذب والإعلان المستفز خيط رفيع، وغالبًا ما تحدد ردود فعل الجمهور أين يقف الإعلان على هذا الخط.
ويبقى المشهد الطريف في النهاية أن كحك العيد، الذي اعتاد المصريون صنعه في البيوت منذ عقود، تحول فجأة إلى منتج فاخر داخل خزنة. وبينما يراه البعض مبالغة تسويقية، سيظل هناك دائمًا من يشتريه… فقط لأنه مختلف.
عيد سعيد… وربما يبقى للكحك البيتي سحره الخاص الذي لا تحتاج معه إلى خزنة.