في الوقت الذي تتسابق فيه الولايات المتحدة لتعزيز ريادتها العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي، تظهر تكلفة أخرى أقل وضوحًا لهذه الثورة التكنولوجية، وهي استهلاك المياه.
فمراكز البيانات العملاقة التي تشغّل تطبيقات الذكاء الاصطناعي لا تحتاج فقط إلى معالجات متطورة وكميات ضخمة من الكهرباء، بل تحتاج أيضًا إلى أنظمة تبريد مستمرة للحفاظ على درجات حرارة الخوادم، وهو ما يجعل المياه موردًا أساسيًا في تشغيل هذه البنية التحتية.
المفارقة أن التكنولوجيا التي يُنتظر منها تحسين كفاءة استخدام الموارد قد تصبح مصدرًا لضغوط إضافية عليها.
من مراكز البيانات إلى استهلاك المياه
وفقًا لتقرير مختبر لورانس بيركلي الوطني التابع لوزارة الطاقة الأمريكية، بلغ الاستهلاك المباشر للمياه في مراكز البيانات الأمريكية نحو 17.4 مليار جالون خلال عام 2023، مقارنة بنحو 5.6 مليار جالون في عام 2014.
لكن هذه الأرقام لا تعكس الصورة كاملة؛ إذ توجد مياه تُستهلك بصورة غير مباشرة في محطات توليد الكهرباء اللازمة لتشغيل تلك المراكز، فضلًا عن المياه المستخدمة في تصنيع الرقائق الإلكترونية.
وعلى المستوى العالمي، قدّرت وكالة الطاقة الدولية إجمالي استهلاك المياه المرتبط بمراكز البيانات بنحو 560 مليار لتر في عام 2023، بما يشمل التبريد وتوليد الكهرباء وتصنيع المعدات.
ومن المهم هنا أن هذه الأرقام تخص مراكز البيانات عمومًا، وليس تطبيقات الذكاء الاصطناعي وحدها، لكنها تعكس حجم الضغوط التي قد يضيفها التوسع المتسارع في هذه التكنولوجيا.
أمريكا.. أين تظهر المشكلة؟
تزداد حساسية القضية في المناطق الأمريكية التي تعاني من الإجهاد المائي وارتفاع درجات الحرارة، خصوصًا في أجزاء من غرب وجنوب غرب الولايات المتحدة، حيث تتنافس الاحتياجات السكنية والزراعية والصناعية على موارد محدودة.
ولا تتوقف المشكلة عند استهلاك المياه داخل مراكز البيانات، بل تمتد إلى تأثيرها على شبكات الكهرباء والبنية التحتية المحلية، وما قد يتطلبه ذلك من استثمارات إضافية لتوفير الموارد اللازمة.
وفي مؤشر على تصاعد هذه المخاوف، أعلنت ولاية نيويورك في يوليو 2026 تعليقًا مؤقتًا لإصدار بعض التصاريح البيئية لمراكز البيانات العملاقة، بهدف دراسة آثارها على الطاقة والمياه والبيئة ووضع إطار تنظيمي أكثر وضوحًا.
وهذا لا يعني أن جميع المشروعات توقفت بسبب نقص المياه، لكنه يعكس انتقال القضية من مجرد نقاش بيئي إلى ملف اقتصادي وتنظيمي يؤثر في قرارات الاستثمار.
من يدفع ثمن التوسع التكنولوجي؟
تطرح هذه التطورات سؤالًا مهمًا حول كيفية توزيع الموارد بين القطاعات المختلفة.
فالمياه التي تحتاجها مراكز البيانات هي نفسها التي تعتمد عليها المجتمعات المحلية والزراعة والصناعة. ومع تزايد الطلب، قد ترتفع تكلفة توفير المياه والبنية التحتية، وتزداد المنافسة على الموارد، خصوصًا في المناطق التي تعاني بالفعل من محدودية الإمدادات.
وبالتالي، قد تتحول وفرة المياه والطاقة إلى عامل مؤثر في اختيار مواقع الاستثمارات التكنولوجية الجديدة، وليس مجرد اعتبار تشغيلي.
هل تستطيع التكنولوجيا حل المشكلة؟
تعمل شركات التكنولوجيا على تطوير حلول تقلل استهلاك المياه، من بينها أنظمة التبريد الأكثر كفاءة، وإعادة استخدام مياه الصرف المعالجة، وتقنيات التبريد السائل المتقدمة.
لكن الحل لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها؛ بل يتطلب أيضًا شفافية أكبر في الإفصاح عن استهلاك المياه، وتقييم قدرة المناطق على استيعاب المشروعات الجديدة، وربط التوسع الاستثماري بالاستدامة البيئية.
لم تعد المنافسة العالمية في الذكاء الاصطناعي مرتبطة فقط بامتلاك أقوى المعالجات وأكبر مراكز البيانات، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بالقدرة على توفير الطاقة والمياه اللازمة لتشغيلها.
فهل تصبح المياه أحد أهم القيود أمام التوسع في الذكاء الاصطناعي؟ وهل تتحول كفاءة استخدام الموارد إلى ميزة تنافسية جديدة بين الدول؟
قد يكون التحدي الحقيقي أمام الاقتصاد الرقمي هو تحقيق التوازن بين الابتكار التكنولوجي وحماية الموارد التي يقوم عليها النمو الاقتصادي.
انسخ الرابط المختصر وشاركه للوصول المباشر للمقال