في خضم النقاشات التي أثارتها كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي حول الاستعلاء بالمناصب، لفتني أن جانبًا من التفاعل معها انشغل بالشكل أكثر من المعنى، بينما أرى أن الفكرة نفسها تستحق قدرًا أكبر من التأمل؛ لأنها تتجاوز الحديث عن المنصب بمعناه الرسمي، وتمس سلوكًا اجتماعيًا أصبح حاضرًا في تفاصيل حياتنا اليومية.
فالاستعلاء لا يبدأ بالضرورة من وزير أو مدير أو صاحب منصب. أحيانًا يبدأ من جملة تبدو عادية:
«أنا عندي خبرة أكبر.»
«أنا دكتور.»
«أنا مدير.»
«أنا أعرف ناس مهمة.»
«أنا أقدر أعمل كذا.»
كل هذه الأمور في حد ذاتها ليست مشكلة. الخبرة قيمة، والعلم قيمة، والمنصب مسؤولية، والعلاقات المهنية والاجتماعية جزء طبيعي من حياة الإنسان.
لكن السؤال الحقيقي يبدأ بعد ذلك: ماذا تفعل بكل ما لديك؟
هل تستخدم خبرتك لمساعدة الآخرين؟
هل تستخدم منصبك في خدمة من حولك؟
هل تستطيع أن تستمع إلى شخص أقل منك في المنصب دون أن تشعر أنك أعلى منه؟
وهل تستطيع أن تحافظ على إنسانيتك إذا زال عنك اللقب أو المنصب؟
هنا تحديدًا يصبح الفرق واضحًا بين المكانة والاستعلاء.
المكانة الحقيقية لا تقاس فقط بما يحمله الإنسان من ألقاب، وإنما بما يتركه من أثر. والمنصب، مهما كان مهمًا، يظل في النهاية مسؤولية مؤقتة، وليس امتيازًا يمنح صاحبه حق التقليل من الآخرين.
والأهم أن ثقافة الاستعلاء لا تبدأ دائمًا في المؤسسات أو بين أصحاب المناصب. يمكن أن تبدأ في البيت، وفي المدرسة، وبين الأطفال.
طفل يقول لزميله: «أنا بابايا أغنى واحد».
وآخر يقول: «أنت مش عارف أنا ابن مين؟»
قد تبدو هذه الجمل بسيطة أو عابرة، لكنها تحمل في داخلها رسالة تربوية إذا تكررت دون تصحيح: أن قيمة الإنسان يمكن أن تأتي من اسم عائلته، أو نفوذ والده، أو إمكانياته المادية، وليس من شخصيته وسلوكه وأخلاقه.
وهنا تصبح مسؤوليتنا أكبر من مجرد انتقاد الاستعلاء عندما نراه عند الكبار. علينا أن ننتبه إلى الطريقة التي نربي بها أبناءنا، وإلى الرسائل التي نرسلها لهم عن النجاح والمكانة والقوة.
نحن نحتاج أن نعلم أبناءنا أن النجاح لا يعني أن تصبح أعلى من الآخرين، وإنما أن تصبح قادرًا على إضافة شيء حقيقي إلى حياتهم وحياة المجتمع.
أن تكون مديرًا لا يعني أن من يعمل معك أقل قيمة.
أن تكون صاحب خبرة لا يعني أنك لا تحتاج إلى التعلم من غيرك.
أن تحمل شهادة علمية لا يعني أنك تمتلك كل الإجابات.
وأن تمتلك سلطة أو نفوذًا لا يعني أن الآخرين أقل منك.
ربما لهذا السبب أرى أن الحديث عن الاستعلاء يستحق أن نتوقف عنده بعيدًا عن الجدل حول الأشخاص والمناصب، وأن ننظر إليه باعتباره قضية سلوك وقيم قبل أن يكون قضية سلطة.
فالمنصب قد يتغير، واللقب قد ينتهي، والشهادة قد تظل معلقة على الحائط، والسلطة قد تنتقل إلى شخص آخر.
لكن الطريقة التي عاملت بها الناس ستظل جزءًا من سيرتك.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم: «أنت مين؟»
وإنما:
«ماذا فعلت بما أصبحت عليه؟ ومن استفاد من وجودك في هذا المكان؟»
لأن القيمة الحقيقية للإنسان لا تظهر فقط عندما يكون في موقع قوة، وإنما تظهر أكثر عندما يستطيع أن يستخدم هذه القوة دون أن يجعل الآخرين يشعرون أنهم أقل منه.
فالمنصب مسؤولية، والخبرة مسؤولية، والعلم مسؤولية… وكلما زادت مكانة الإنسان، زادت مسؤوليته عن ألا يتحول ما يملكه إلى وسيلة للاستعلاء على الآخرين.
انسخ الرابط المختصر وشاركه للوصول المباشر للمقال